الأربعاء، 4 أغسطس 2010

الكلام يجر الكلام 7

· هل هناك فرق بين العلم والاعتقاد ·

ان الفرق بينهما ان الاعتقاد هو اسم لجنس الفعل علی أي وجه وقع اعتقاده ، والاصل فيه أنه مشبه بعقد الحبل والخيط ، فالعالك بالشئ علی مل هو به كالعاقد المحكم لما عقده . ومثل ذلك تسميتهم العلم بالشئ حفظا ً له ، ولا يوجب ذلك أن يكون كل عالم معتقدا ً لان اسم الاعتقاد أجري علی العلم مجازا ً وحقيقة العالم هو من يصح منه فعل ما علمه متيقنا ً اذا كان قادرا ً عليه .

· هل هناك فرق بين العلم والرؤية ·

ان الفرق بينهما ان الرؤية لا تكون الا لموجود ، والعلم يتناول الموجود والمعدوم ، وكل رؤية لم يعرض معها آفة فالمرئي بها معلوم ضرورة ، وكل رؤية فهي لمحدود أو قائم في محدود ، والرؤية في اللغة علی ثلاثة أوجه :

أحدها : العلم وهو قوله تعالی : « وَنَرَاهُ قَرِيبًا » المعارج آيه 7 ، أي نعلمه يوم القيامة ، وذلك ان كل آت قريب .

والاخر : بمعنی الظن وهو قوله تعالی : « إِنَّهُمْ يَرَوْنَهُ بَعِيدًا » المعارج آية 6 ، أي يظنونه ، ولا يكون ذلك بمعنی العلم لانه لا يجوز أن يكونوا عالمين بانها بعيدة وهي قريبة في علم الله ، واستعمال الرؤية في هذين الوجهين مجاز .

والثالث : رؤية العين وهي حقيقة .

· هل هناك فرق بين العلم والبصيرة ·

ان الفرق بينهما ان البصيرة هي تكامل العلم والمعرفة بالشئ ، ولهذا لا يجوز أن يسمی الباري تعالی بصيرة اذ لا يتكامل علم أحد بعظمته وسلطانه .

· هل هناك فرق بين العلم والذكر ·

ان الفرق بينهما ان الذكر وان كان ضربا ً من العلم فانه لا يسمی ذكرا ً الا اذا وقع بعد النسيان ، وأكثر ما يكون في العلوم الضرورية . ولا يوصف الله به لانه لا يوصف بالنسيان ، وقال علي بن عيسی :

الذكر يضاد السهو ، والعلم يضاد الجهل ، وقد يجمع الذكر للشئ والجهل به من وجه واحد .

· هل هناك فرق بين العلم والحس ·

ان الفرق بينهما ان الحس هو أول العلم ومنه قوله تعالی : « فَلَمَّا أَحَسَّ عِيسَى مِنْهُمُ الْكُفْرَ قَالَ مَنْ أَنصَارِي إِلَى اللّهِ قَالَ الْحَوَارِيُّونَ نَحْنُ أَنصَارُ اللّهِ آمَنَّا بِاللّهِ وَاشْهَدْ بِأَنَّا مُسْلِمُونَ » آل عمران آية 52 ، أي علمه في أول وهلة ، ولهذا لا يجوز أن يقال ان الانسان يحس بوجود نفسه .

ويقول العلامة السيد العباس الحسيني الكاشاني مؤلف كتاب حدائق الانس في نوادر العرب والفرس في ذيل المطلب : وتسمية العلم حسا ً واحساسا ً مجاز ، ويسمی بذلك لانه لا يقع مع الاحساس ، والاحساس من قبيل الادراك ، والالات التي يدرك بها حواس كالعين والاذن والفم ، والقلب ليس من الحواس ، لان العلم الذي يختص به ليس بادراك ، واذا لم يكن العلم ادراكا ً لم يكن محله حاسة .

· منازل الانسان ستة ·

قال بعض الحكماء : الانسان مسافر ومنازله ستة ، وقد قطع منها ثلاثة وتبقی ثلاثة ، فالتي قطعها :

اولها : كتم العدم الی صلب[1] الاب وترائب[2] الام ، كما قال الله تعالی : « يَخْرُجُ مِن بَيْنِ الصُّلْبِ وَالتَّرَائِبِ » الطارق آية 7 .

وثانيها : رحم الام ، قال سبحانه وتعالی : « هُوَ الَّذِي يُصَوِّرُكُمْ فِي الأَرْحَامِ كَيْفَ يَشَاء » آل عمران آية 6 .

وثالثها : من الرحم الی فضاء الدنيا ، قال عز من قائل : « وَوَصَّيْنَا الْإِنسَانَ بِوَالِدَيْهِ إِحْسَانًا حَمَلَتْهُ أُمُّهُ كُرْهًا وَوَضَعَتْهُ كُرْهًا وَحَمْلُهُ وَفِصَالُهُ ثَلَاثُونَ شَهْرًا حَتَّى إِذَا بَلَغَ أَشُدَّهُ وَبَلَغَ أَرْبَعِينَ سَنَةً قَالَ رَبِّ أَوْزِعْنِي أَنْ أَشْكُرَ نِعْمَتَكَ الَّتِي أَنْعَمْتَ عَلَيَّ وَعَلَى وَالِدَيَّ وَأَنْ أَعْمَلَ صَالِحًا تَرْضَاهُ وَأَصْلِحْ لِي فِي ذُرِّيَّتِي إِنِّي تُبْتُ إِلَيْكَ وَإِنِّي مِنَ الْمُسْلِمِينَ » الاحقاف آية 15 .

وأما المنازل الثلاث التي لم يقطعها :

فاولها : القبر ، قال عليه السلام : « القبر اول منزل من منازل الآخرة ، وآخر منزل من منازل الدنيا » .

وثانيها : فضاء المحشر ، قال سبحانه : « وَعُرِضُوا عَلَى رَبِّكَ صَفًّا لَّقَدْ جِئْتُمُونَا كَمَا خَلَقْنَاكُمْ أَوَّلَ مَرَّةٍ بَلْ زَعَمْتُمْ أَلَّن نَّجْعَلَ لَكُم مَّوْعِدًا » الكهف آية 48 .

وثالثها : الجنة والنار ، كما قال تعالی شأنه : « وَكَذَلِكَ أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ قُرْآنًا عَرَبِيًّا لِّتُنذِرَ أُمَّ الْقُرَى وَمَنْ حَوْلَهَا وَتُنذِرَ يَوْمَ الْجَمْعِ لَا رَيْبَ فِيهِ فَرِيقٌ فِي الْجَنَّةِ وَفَرِيقٌ فِي السَّعِيرِ » شوری آية 7 .

وفي ذيل هذا المطلب يقول العلامة السيد العباس الحسيني الكاشاني : ونحن الان في قطع مرحلة المنزل الثالث وهو أصعب المنازل وأكثرها مشقة وأشدها خوفا ً أحاط فيه الشوارع والاطراف اللصوص وقطاع الطريق ، ويفتر فيه الرفيق الشفيق ، ومدة قطع هذه المرحلة مدة عمرنا ، فأيامنا فراسخ ، وساعاتنا أميال ، وآخر بقي له خطوات ، نعوذ لالله من شرور أنفسنا ، ومن الموت علی غير عدة .

· اشعار طريفة في ان الاعراض الواقعة في الانسان ·

· هي غير العلل الواقعة فيه ·

قالوا : ان الاعراض الواقعة في الانسان من المحبة هي غير العلل الواقعة من هجمات العلل ، ويميزها الطبيب النطاسي[3] الحاذق والمتفرس الماهر الناقد .

وفي ذلك يقول ابن حزم المتوفي سنة 456 هجـ :

يقول لي الطبيب بغير علم â تداو فأنت يا هذا عليل

ودائي ليس يدريه سوائي â ورب قادر ملك جليل

أأكتمه ويكشفه شهيق â يلازمني واطراق[4] طويل

ووجه شاهدات الحزن فيه â وجسم كالخيال ضن نحيل

وأثبت ما يكون الامر يوما ً â بلا شك اذا صح الدليل

فقلت له : أبن عني قليلا â فلا والله تعرف ما تقول

فقال : أری نحولا زاد جدا ً â وعلتك التي تشكو ذبول

فقلت له : الذبول تعل من الـ â ـجوارح وهي حمی تستحيل

وما أشكو لعمر الله حمی â وان الحر في جسمي قليل

فقال : أری التفاتا ً وارتقابا ً â وأفكارا وصمتا ً لا يزول

واحسب أنها السوء فانظر â لنفسك انها عرض ثقيل

فقلت له : كلامك ذا محال â فما للدمع من عيني يسيل

فأطرق باهتا ً مما رآه â ألا في مثل ذا بهت النبيل

فقلت له : دوائي منه دائي â ألا في مثل ذا ضلت عقول

وشاهد ما أقول يری عيانا ً â فروع النبت ان عكست أصول

وترياق الافاعي ليس شئ â سواه ببرء ما لدغت كفيل

· تعريف النفس وحقيقتها ·

ذكروا ان اسم النفس مشترك بالاشتراك اللفظي بين معان :

منها : ذات الشئ : « فعل ذلك بنفسه » .

ومنها : الانفة : « ليس لفلان نفس » .

ومنها : الارادة : « نفس فلان في كذا » .

ومنها : العين ، يقال : « أصابت فلان نفس أي عين » .

قال ابن القيس :

يتقي أهلها النفوس[5] عليها â فعلی نحرها الرقي[6] والتميم[7]

ومنها : مقدار دبغة من الدباغ ، تقول : « أعطني نفسا ً » أي قدر ما أدبغ به مرة .

ومنها : العيب : « اني أعلم نفس فلان » أي عيبه .

ومنها : العقوبة : « ويحذركم الله نفسه » .

ومنها : ما يفوت الحياة بفواته كنفس الحيوان : « كل نفس ذائقة الموت » وهذه هي المبحوث عنها المختلف فيها .

وقال بعض العلماء : ان النفس هي الروح ، يقال : خرجت نفسه ، أي روحه .

قال أبو خراش :

نجا سالم والنفس منه بشدقه[8] â ولم ينج الا جفن سيف ومئزر

أي بجفن سيف ومئزر .

والنفس لغة الدم ، يقال : سالت نفسه أي دمه .

وفي الحديث : ما ليس له نفس سائلة فانه لا ينجس الماء اذا مات فيه .

والنفس الجسد ، قال الشاعر :

نبئت أن بني سليم أدخلوا â أبياتهم تامور[9] نفس المنذر

وأما قولهم : ثلاثة أنفس ، فانهم يريدون بذلك الانسان ، هذا قول أصحاب اللغة ، والفقهاء .

وأما أرباب المعقول فقد اختلفوا في حقيقة النفس ما هي ؟ اختلافا ً كثيرا ً الی الغاية .

أما الحكماء فقالوا : النفس عبارة عن هذه الاجزاء النارية السارية في هذا الهيكل ، لان خاصتها الاشراق والحركة ، ولهذا قال الاطباء : ان مدبر الجسد هو الحار الغريزي ، وهذا رأي ( افلوطرخوس) ومن تابعه .

ومنهم من قال : هو عبارة عن الهواء ، لانه متی كان النفس مترددا ً كانت الحياه باقية ، فالنفس هو الهواء المستنشق المتردد في مخارق البدن ، ولانه لا لون له ويدخل في المنافس الضيقة ، وهذا رأي ( ديوجانس) ومن تابعه .

ومنهم من قال : النفس عبارة عن الماء لانه سبب لحصول النشوء والنمو والنفس كذلك ، فكانت هي الماء ، وهذا رأي ( تاليس المطلي) ، وهذه الاقوال فاسدة ، لان الاشتراك في بعض الصفات لا يوجب التساوي في تمام الماهية .

ومنهم من قال : ان النفس عبارة عن مجموع الاخلاط الاربعة بشرط أن يكون كل واحد له قدر معين ، لانه مادامت هذه الاخلاط باقية علی كمياتها المخصوصه وكيفياتها ، فالحياه باقية . وهذا ضعيف أيضا ً ، لانه لا يثبت العلم لنا بمجرد الدور .

لطيفة : يقال انه سئل عن بعض المتكلمين عن الروح والنفس ، فقال : الروح هو الريح ، والنفس هي التنفس ، فقال له السائل : فعلی هذا اذا تنفس الانسان خرجت نفسه ، واذا ضرط خرجت روحه ، فانقلب المجلس ضحكا ً .

ولله در أبي الطيب المتني اذ يقول :

تخالف الناس حتی لا اتفاق لهم â الا علی شجب والخلف في الشجب

فقيل تخلص نفس المرء سالمة â وقيل تشرك جسم المرء في العطب

ومن تفكر في الدنيا ومهجته â أقامة الفكر بين العجز والتعب

· المذاهب في حقيقة النفس علی رأي الفيض الكاشاني رحمه الله ·

ومن أولئك الافذاذ المحققين هو العلامة المحدث الكبير نابغة المتأخرين الحكيم المتأله الفيض الكاشاني (طاب رمسه) فانه قال في روض الجنان : اعلم ان المذاهب في حقيقة النفس كما هي الدائرة في الالسنة والمذكورة في الكتب المشهورة أربعة عشر مذهبا ً :

الاول : هذا الهيكل المحسوس ، المعبر عنه بالبدن .

الثاني : انها القلب ، أعني الضو الصنوبري اللحماني المخصوص .

الثالث : انها الدماغ .

الرابع : انها أجزاء لا تتجزئ في القلب ، وهو مذهب النظام ومتابعيه .

الخامس : انها الاعضاء الاصلية المتولدة من المني .

السادس : انها المزاج .

السابع : انها الروح الحيواني ، ويقرب منه ما قيل انها جسم لطيف سار في البدن سريان الماء في الورد والدهن في السمسم .

الثامن : انها الماء .

التاسع : انها النار والحرارة الغريزية .

العاشر : انها النـّفـَس .

الحادي عشر : انها هي الواجب ، تعالی عما يقول الظالمون علوا ً كبيرا ً .

الثاني عشر : انها الاركان الاربعة .

الثالث عشر : انها صورة نوعية قائمة بمادة البدن ، وهو مذهب الطبيعيين .

الرابع عشر : انها جوهر مجرد عن المادة الجسمانية وعوارض الجسمانيات ، لها تعلق بالبدن تعلق التدبير والتصرف ، والموت انما هو قطع هذا التعلق ، وهذا هو مذهب الحكماء الالهيين وأكابر الصوفية والاشراقيين ، وعليه استقر رأي المحققين من المتكلمين ، كالفخر الرازي ، والغزالي ، والمحقق الطوسي (أنار الله برهانه) وغير هؤلاء من الاعلام ، وهو الذي أشارت اليه الكتب السماوية ،‌وانطوت عليه أنباء النبوة ، وقادت اليه الايماءات الحسية ، والمكاشفات الدوقية .



[1] الصلب : الظهر

[2] الترائب : موضع القلادة في الصدر

[3] النطاسي : عالم بالامور حاذق بالطب وغيره .

[4] الاطراق : استرخاء العين .

[5] النفوس : الاصابة بالعيون .

[6] الرقي : العوذة من العين .

[7] التميم : مجموعة من الخزر تعلق علی شكل قلاده كعوذة عن العين .

[8] بشدقه : بطارف فمه

[9] التامور : الدم

الثلاثاء، 13 يوليو 2010

الكلام يجر الكلام 6

· وصايا طريفة لاهل العلم من بعض الحكماء ·

قال أحد الحكماء مخاطبا ً أهل العلم والفضل :

أوصيك ألا تأخذ العلوم من الكتب وان وثقت من نفسك بقوة الفهم ، وعليك بالاستاذين في كل علم تطلب اكتسابه ، ولو كان الاستاذ ناقصا ً فخذ عنه ما عنده حتی تجد أكمل منه ، وعليك بتعظيمه وترحيبه وان قدرت أن تفيده من دنياك فافعل ، والا فبلسانك وثنائك ، واذا قرأت كتابا ً فاحرص كل الحرص علی أن تستظهره وتملك معناه ، وتوهم أن الكتاب قد عدم وانك مستغن عنه لا تحزن لفقده .

واذا كنت مكبا ً علی دراسة كتاب وتفهمه فاياك أن تشتغل بآخر معه ، واصرف الزمان الذي تريد صرفه في غيره اليه ، واياك أن تشتغل بعلمين دفعة واحدة وواظب علی العلم الواحد سنة أو سنتين أو ما شاء الله ، واذا قضيت منه وطرك فانتقل الی علم آخر ، ولا تظن أنك اذا حصلت علما ً فقد اكتفيت ، بل تحتاج الی مراعاته لينمو ولا ينقص ، ومراعاته تكون بالمذاكرة والتفكر ، واشتغال المبتدئ بالتحفظ والتعلم ومباحثة الاقران ، واشتغال العالم بالتعليم والتصنيف ، واذا تصديت لتعليم علم أو للمناظرة فيه فلا تمزح به غيره من العلوم ، فان كل علم مكتف بنفسه مستغن عن غيره ، فان استعانتك في علم بعلم عجز عن استيفاء أقسامه كمن يستعين بلغة في لغة أخری اذا ضاقت عليه أو جهل بعضها .

قال : وينبغي للانسان أن يقرأ التواريخ وأن يطالع علی السير وتجارب الامم ، فيصير بذلك كأنه في عمره القصير قد أدرك الامم الخالية ، وعاصرهم وعاشرهم وعرف خيرهم وشرهم .

قال : وينبغي أن يكثر اتهامك لنفسك ، ولا تحسن الظن بها ، وتعرض خواطرك علی العلماء وعلی تصانيفهم ، وتثبت ولا تعجب ، فمع العجب العثار ومع الاستبداد الزلل ، ومن لم يعرق جبينه الی أبواب العلماء لم يعرق في الفضيلة ، ومن لم يخجلوه لم يبجله الناس ، ومن لم يبكتوه لم يسود ، ومن لم يحتمل ألم التعلم لم يذق لذة العلم ، ومن لم يكدح لم يفلح ، واذا خلوت من التعلم والتفكر فحرك لسانك بذكر الله تعالی وبتسابيحه ، وخاصة عند النوم فيتشربه لبك ويتعجن في خيالك ، وتتكلم به في منامك ، واذا حدث لك فرح وسرور ببعض أمور الدنيا فاذكر الموت وسرعة الزوال وأصناف المنغصات ، واذا أحزنك أمر فاسترجع ، واذا اعترتك غفلة فاستغفر ، فاجعل الموت نصب عينك والعلم والتقی زادك الی الاخرة ، واذا أردت أن تعصي الله تعالی فاطلب مكانا لا يراك فيه ، واعلم أن الناس عيون الله علی العبد يريهم خيره وان أخفاه وشره وان ستره ، فباطنه مكشوف لله والله يكشفه لعباده ، فعليك أن تجعل باطنك خيرا ً من ظاهرك ، وسرك أصح من علانيتك .

ولا تتألم اذا أعرضت عنك الدنيا ، ولو عرضت لك لشغلتك عن كسب الفضائل ، وقلما يتعلق في العلم ذو الثروة الا ان يكون شريف الهمة جدا ً ، وان يثری بعد تحصيل العلم ، واني لا أقول : ان الدنيا تعرض عن طالب العلم بل هو الذي يعرض عنها ، همته مصروفة الی العلم فلا يبقی له التفات الی الدنيا والدنيا انما تحصل بحرص وفكر في وجوهها فاذا غفل عن أسبابها لم تأته ، وأيضا ً فان طالب العلم تشرف نفسه عن الصنائع الرذلة والمكاسب الدنية ، وعن أصناف التجارات ، وعن التذلل لارباب الدنيا ، والوقوف علی أبوابهم ، ولبعضهم بيت :

من جد في طلب العلوم أفاته شرف العلوم دناءة التحصيل

· مقتطفات مما قيل في فضل العلم من الشعر ·

ينسب الی سيد الاوصياء الامام أمير المؤمنين علي (ع) :

تعلـّم فليس المرء يولد عالما ً وليس أخو علم كمن هو جاهل

وان كبير القوم لا علم عنده صغير اذا التفت عليه المحافل

وله عليه السلام ايضا ً ك

العلم أشرف شئ ناله رجل من لم يكن فيه علم لم يكن رجلا

تعلم العلم واعمل يا أخـّي به فالعلم زين لمن بالعلم قد عملا

وله أيضا ً :

العلم مُبلغ قوم ذروة الشرف وصاحب العلم محفوظ من التلف

يا صاحب العلم مهلا الا تدنسه بالموبقات فما للعلم من خلف

العلم يرفع بيتا ً لا عماد له والجهل يهدم بيت العز والشرف

وقال ابن دريد :

لا تحقرن عالما ً وان خلقت أثوابه في عيون رامقه

وانظر اليه بعين ذي خطر مهذب الرأي في طرائفه

فالمسك مهما تراه ممتهنا ً[1] بفهر[2] عطاره وساحقه

حتی تراه بعارضي ملك وموضع التاج من مفارقه

وقال الماهياباذي مغريا ً علی تأثير العلم :

يا ساعيا ً وطلاب المال همته اني أراك ضعيف العقل والدين

عليك بالعلم لا تطلب به بدلا واعلم بأنك فيه غير مغبون

العلم يجدي ويبقی للفتی أبدا ً والمال يفنی وان أجدی الی حين

هذاك عز و ذا ذل لصاحبه مازال بالبعد بين العز والهون

وقال الشافعي :

علمي معي حيثما يممت ينفعني قلبي وعاء له لا بطن صندوق

ان كنت في البيت كان العلم فيه معي أو كنت في السوق كان العلم في السوق

وقال القاضي الارجاني :

ليس عندي شئ أعز من العلـ ـم فلا أبتغي سواه أنيسا

انما السوء في مداخلة النا س فدعها وكن حكيما ً رئيسا

وقال مؤيد الدين الاصبهاني المعروف بالطغرائي المتوفي سنة 513 هجـ :

من قاس بالعلم الثراء فانه في حكمه أعمی البصيرة كاذب

العلم تخدمه بنفسك دائما ً والمال يخدم عنك فيه نائب

والمال يسلب أو يبيد لحادث والعلم لا يخشی عليه السالب

والعلم نقش في فؤادك راسخ والمال ظل عن فنائك ذاهب

هذا علی الانفاق يغزر فيضه أبدا ً وذلك حين تنفق ناضب

لكل مجد في الوری نفع فاضل وليس يفيد العلم من دون عامل

يسابق بعض الناس بعضا ً بجدهم وما كل كر بالهوی كرّ باسل

اذا لم يكن نفع لذي العلم والحجا فما هو بين الناس الا كجاهل

كذاك اذا لم ينفع المرء غيره يعد كشوك بين زهر الخمائل

· هل هناك فرق بين العلم والمعرفة ·

قالوا : ان المعرفة أخص من العلم لانها علم بعين الشئ مفصلا عما سواه والعلم يكون مجملا ومفصلا .

· هل هناك فرق بين العلم واليقين ·

قالوا : ان العلم هو اعتقاد الشئ علی ما هو به علی سبيل الثقة ، واليقين هو سكون النفس وثلج[3] الصدر بما علم ، ولهذا لا يجوز أن يوصف الله تعالی باليقين ، ويقال ثلج اليقين وبرد اليقين ولا يقال ثلج العلم وبرد العلم .

وقيل الموقن العالم بالشئ بعد حيرة الشك والشاهد انهم يجعلونه ضد الشك ، فيقولون شك ويقين ، وقلما يقال شك وعلم فاليقين ما يزيل الشك دون غيره من أضداد العلوم ، والشاهد قول الشاعر :

بكی صاحبي لما رأی الدرب دونه وأيقن أنا لاحقان بقيصرا

أي أزال الشك عنه عند ذلك .

ويقال اذا كان اليقين عند المصلي أنه صلی أربعا ً فله ان يسلم ، وليس يراد بذلك انه اذا كان عالما به ، لان العلم لا يضاف الی ما عند أحد اذا كان المعلوم في نفسه علی ما علم وانما يضاف اعتقاد الانسان الی ما عنده سواء كان معتقده علی ما أعتقده أولا اذا زال به شكه ، وسمي علمنا يقينا لان في وجوده ارتفاع الشك .

· هل هناك فرق بين العلم والشعور ·

ان الفرق بينهما ان العلم هو ما ذكرناه ، والشعور علم يوصل اليه من وجه دقيق كدقة الشعر ، ولهذا قيل للشاعر شاعر لفطنته لدقيق المعاني . وقيل للشعير شعيرا ً للشظية الدقيقة التي في طرفه خلاف الحنطة .

وقال بعضهم : الذم للانسان بأنه لا يشعر أشد مبالغة من ذمه بأنه لا يعلم لانه اذا قال لا يشعر فكأنه أخرجه الی معنی الحمار .

· هل هناك فرق بين العلم والفهم ·

ان الفرق بينهما ان الفهم تصور المعنی من لفظ المخاطب .

وقيل : ادراك خفي دقيق أخص من العلم ، لان العلم نفس الادراك ، سواء كان خفيا ً أو جليا ً ، ولهذا قال سبحانه وتعالی في قصة داود وسليمان عليهما السلام : « فَفَهَّمْنَاهَا سُلَيْمَانَ وَكُلًّا آتَيْنَا حُكْمًا وَعِلْمًا » الانبياء آيه 79 ، خص الفهم سليمان وعمّ العلم لداود وسليمان .

وقيل : ان الفهم هو العلم بمعاني الكلام عند سماعه خاصة ، ولهذا يقال فلان سئ الفهم اذا كان بطئ العلم بمعنی ما يسمع ولذلك كان الاعجمي لا يفهم كلام العربي ، ولا يجوز أن يوصف الله تعالی بالفهم ، لانه عالم بكل شئ علی ما هو به فيما لم يزل .

وقال بعضهم : لا يستعمل الفهم الا في الكلام ، ألا تری انك تقول فهمت كلامه ، ولا تقول فهمت ذهابه ومجيئه كما تقول علمت بذلك .

· هل هناك فرق بين العلم والحفظ ·

الفرق بينهما ان الحفظ هو العلم بالمسموعات دون غيره من المعلومات ألا تری ان أحدا ً لا يقول حفظت أن زيدا ً في البيت ، وانما استعمل ذلك في الكلام ، ولا يقال للعلم بالمشاهدات حفظ ، ويجوز أن يقال ان الحفظ هو العلم بالشئ حالا بعد حال من غير ان يتخلله جهل أو نسيان ، ولهذا سمي حفاظ القرآن حفاظا ً ، ولا يوصف الله بالحفظ لذلك .

· هل هناك فرق بين العلم والظن ·

ان الفرق بينهما ان الظان يجوز أن يكون المظنون علی خلاف ما هو ظنـّه ولا يحققه ، والعلم يحقق المعلوم .

وقيل جاء الظن في القرآن بمعنی الشك في قوله تعالی : « وَمِنْهُمْ أُمِّيُّونَ لاَ يَعْلَمُونَ الْكِتَابَ إِلاَّ أَمَانِيَّ وَإِنْ هُمْ إِلاَّ يَظُنُّونَ » البقرة آيه 78 ، والصحيح انه علی ظاهره .

· هل هناك فرق بين العلم والادراك ·

ان الفرق بينهما ان الادراك موقوف عل‍ی أشياء مخصوصة ، وليس العلم كذلك ، والادراك يتناول الشئ علی أخص أوصافه وعلی الجملة ، والعلم يقع بالمعدوم ولا يدرك الا الموجود ، والادراك طريق من طرق العلم ، ولهذا لم يجز أن يقوی العلم بغير المدرك قوته بالمدرك ، ألا تری ان الانسان لا ينسی ما يراه في الحال كما ينسی ما رآه قبل .

· هل هناك فرق بين العلم والدراية ·

ان الفرق بينهما ان الدراية فيما قال أبو بكر الزبيري : بمعنی الفهم ، قال : وهو لنفي السهو عما برد علی الانسان فيدريه أي يفهمه ، وحكي عن بعض أهل العربية أنها مأخوذة من دريت اذا اختلت وأنشد :

يصيب فما يدري ويخطي فما دری

أي ما اختل فيه يفوته وما طلبه من الصيد بغير ختل يناله ، فان كانت مأخوذة من ذاك يجري مجری ما يفطن الانسان له من المعرفة التي تنال غيره ، فصار ذلك كالختل منه للاشياء ، وهذا لا يجوز علی الله سبحانه وتعالی .

وجعل أبو علي : الدراية مثل العلم وأجازها علی الله واحتج بقول الشاعر :

لا هم لا أدري وأنت الداري

وهذا صحيح لان الانسان اذا سئل عما لا يدري فقال : «لا أدري» فقد أفاد هذا القول منه «لا أعلم» لانه لا يستقيم ان يسأل عما لا يعلم فيقول «لا أفهم» لان المعنی قوله لا أفهم أي لا أفهم سؤالك وقوله «لا أدري» انما هو لا أعلم ما جواب مسألتك وعلی هذا يكون العلم والدراية سواء لان الدراية علك يشتمل علی المعلوم من جميع وجوهه ، وذلك أن الفعالة للاشتمال مثل العصابة والعمامة والقلاده ، ولذلك جاء أكثر أسماء الصناعات علی فعالة نحو القصارة والخياطة ومثل ذلك العبارة لاشتمالها علی ما فيها . فالدراية تفيد ما لا يفيده العلم من هذا الوجه ، والفعالة أيضا ً تكون للاستيلاء مثل الخلافة والامارة ، فيجوز أن تكون بمعنی الاستيلاء فتفارق العلم من هذه الجهة .



[1] ممتهنا : مستفادا ً

[2] الفهر : الحجر الذي يدق ويسحق به المسك وغيره .

[3] ثلج الصدر : اي انشرح